ابن الجوزي
336
زاد المسير في علم التفسير
ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ( 62 ) قوله تعالى : ( ويجعلون لله ما يكرهون ) المعنى : ويحكمون له بما يكرهونه لأنفسهم ، وهو البنات ، ( وتصف ألسنتهم الكذب ) أي : تقول الكذب ، وقرأ أبو العالية ، والنخعي ، وابن أبي عبلة : " الكذب " بضم الكاف والذال . ثم فسر ذلك الكذب بقوله : ( أن لهم الحسنى ) وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها البنون ، قاله مجاهد ، وقتادة ، ومقاتل . والثاني : أنها الجزاء الحسن من الله تعالى ، قاله الزجاج . والثالث : [ أنها ] الجنة ، وذلك أنه لما وعد الله المؤمنين الجنة ، قال المشركون : إن كان ما تقولونه حقا ، لندخلنها قبلكم ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . قوله تعالى : ( لا جرم ) قد شرحناها فيما مضى . وقال الزجاج : " لا " رد لقولهم ، والمعنى : ليس ذلك كما وصفوا " جرم " أن لهم النار ، المعنى : جرم فعلهم ، أي : كسب فعلهم هذا ( أن لهم النار وأنهم مفرطون ) وفيه أربعة أوجه ، قرأ الأكثرون : " مفرطون " بسكون الفاء وتخفيف الراء وفتحها ، وفي معناها قولان : أحدهما : متركون ، قاله ابن عباس . وقال الفراء : منسيون في النار . والثاني : معجلون ، قاله ابن عباس أيضا . وقال ابن قتيبة : معجلون إلى النار . قال الزجاج : معنى " الفرط " في اللغة : المتقدم ، فمعنى " مفرطون " مقدمون إلى النار ، ومن فسرها " متركون " فهو كذلك [ أيضا ] ، أي : قد جعلوا مقدمين إلى العذاب أبدا ، متروكين فيه . وقرأ نافع ، ومحبوب عن أبي عمرو ، وقتيبة عن الكسائي " مفرطون " بسكون الفاء وكسر الراء وتخفيفها ، قال الزجاج : ومعناها : أنهم أفرطوا في معصية الله . وقرأ أبو جعفر وابن أبي عبلة " مفرطون " بفتح الفاء وتشديد الراء وكسرها ، قال الزجاج : ومعناها : أنهم فرطوا في الدنيا فلم يعملوا فيها للآخرة ، وتصديق هذه القراءة ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) وروى الوليد بن مسلم عن ابن عامر " مفرطون " بفتح الفاء والراء وتشديدها ، قال الزجاج : وتفسيرها كتفسير القراءة الأولى ، فالمفرط والمفرط بمعنى واحد .